الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
03:14 ص بتوقيت الدوحة

التغيير في السودان ليس شكليّاً

التغيير في السودان ليس شكليّاً
التغيير في السودان ليس شكليّاً
يمسك الديكتاتور بكل مفاصل الدولة حتى يتحول أعوانه إلى أتباع يتلمّسون مواضع رضا الديكتاتور، ويتحاشون ما يغضبه لكيلا يكونوا ضحايا لأية محاولة غير محسوبة تخالف توجهات الزعيم الأوحد. هذه الحالة تبدأ من بذرة صغيرة حين يزعم الذين غرسوها أن البلاد بحاجة لزعيم يمثل صمام الأمان وضمانة الاستقرار، ولا تكتمل الفكرة إلا بتراصّ الصفوف خلف قائد الأمة. ومع تبريرات الساسة من بطانة الرئيس والإعلاميين سدنة النظام، تتخلق وتتضخم في دواخل الرئيس شخصية الحاكم حتى يصبح طاغية يستحيل ترويضه حتى على الذين صنعوه من ساسة وإعلاميين.
المعلم البارز الثاني هو تجسد النظام في شخص الرئيس، فتتلاشى مؤسسات الدولة وتتحول إلى أشكال خاوية، فيصبح الحزب الحاكم -إن وجد- مجرد لافتة، ويأتمر الجهاز التنفيذي والسلطة القضائية بأمر الرئيس، ويستحيل التفكير في التصحيح بعد أن أكمل الرئيس تمدده على كامل الساحة السياسية. فإذا ما غاب الرئيس عن المشهد، تشهد البلاد تحولاً جذرياً بعد زوال أسباب الحذر والخوف، ويدبّ الحماس في النشاط السياسي رغم غياب رجل واحد فقط، ورغم أن الأجهزة التي سرت في عروقها دماء جديدة هي ذات أجهزة نظام الرئيس المغادر. حدث ذلك -على سبيل المثال- بغياب جمال عبدالناصر وجعفر نميري والرئيس النيجيري ساني أباتشا ؛ فعلى الرغم من أن السادات هو رفيق عبدالناصر منذ يوليو 52، لكن ما أحدثه السادات من تحولات في السياسة المصرية يوحي وكأنه رئيس جديد جاء للتو بعد رحيل عبدالناصر ومن خلفية سياسية مختلفة، وهكذا الحال مع سوار الدهب وزير الدفاع في حكومة جعفر نميري، والجنرال عبدالسلام أبو بكر رئيس الأركان في الجيش النيجيري الذي خلف الديكتاتور النيجيري الشرس ساني أباتشا بعد وفاته المفاجئة، فتحولت نيجيريا خلال أشهر قليلة إلى دولة ديمقراطية.
بتطبيق هذين المعلمين الديكتاتوريين على التطورات الأخيرة في السودان، نجد أن الرئيس السابق عمر البشير تنطبق عليه هذه القاعدة ، كما تنطبق على خلفه عوض بن عوف ما ينطبق على السادات وسوار الدهب وعبدالسلام أبو بكر؛ أي أن مجيء ابن عوف لم يكن تغييراً شكليّاً، وأن وزير دفاع نظام البشير كان مؤهلاً لإحداث تحوّل ديمقراطي -ولو بتدرّج بطيء- إلا أن ثوار السودان، وقد تمكنوا من زمام المبادرة الذي لم يكن بيدهم في بداية الاحتجاجات، مارسوا ضغطاً مكّنهم من تحقيق آمالهم بخطوات أسرع
وبتأكيدات أقوى.
زعمي أن ابن عوف كان مؤهلاً لتحقيق التحول الديمقراطي بعد أن تحرر من قيود الحاكم السابق الذي كان يُحصي أنفاسهم، يعني تلقائياً أن الفريق عبدالفتاح البرهان أكثر تأهيلاً لتحقيق التحول المنشود. وعليه يفترض أن يجد تعاوناً من الثوار. وقد يؤدي التشكيك في نوايا رئيس وأعضاء المجلس الانتقالي إلى عقبات غير مبررة، خاصة أن المجلس برئاسة البرهان قد سارع إلى تأكيد جديته في تحقيق آمال الثوار، حين أجرى تعديلات في رئاسة جهاز الأمن والمخابرات وفي رئاسة السلطة القضائية وفي ديوان النائب العام، وبعد أن أقال رئيس جهاز الأمن والمخابرات الأسبق من موقعه سفيراً للسودان في واشنطن.
أما أخطر ما يواجه الثورة السودانية فهو حلول موعد البتّ في مسائل ظلت مؤجلة بدعوى الانشغال بالتخلص من نظام الإنقاذ، مثل الموقف من حمل السلاح في وجه الحكومة المركزية.. فهل يُلقي حَمَلة السلاح أسلحتهم فيزيلوا الحرج عن الثوار، أم يفعلوا كما فعل جون قرنق مع الديمقراطية الثالثة؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.