الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
03:24 ص بتوقيت الدوحة

تخويف الشعوب يدعم الطغيان

تخويف الشعوب يدعم الطغيان
تخويف الشعوب يدعم الطغيان
«الرؤية السطحية» التي يروّجها أنصار قمع الشعوب من الطغاة المستبدين ومن يشايعهم، تحاول تشويه الثورات والانتفاضات الشعبية ضد الظلم والاستبداد والطغيان، وتجد بعض المتنطعين يردد كالببغاء: «ماذا جنت الشعوب من الثورات سوى الخراب والدمار والبؤس والتشريد».
هذا الخطاب يحمل في ظاهره الرحمة بالشعوب، لكنه يستبطن لها العذاب واستمرار القهر والظلم والطغيان، وهو ما لم يقره الشرع والدين والفطرة الإنسانية السليمة. إن النظرة المتعمقة لتطورات أحداث الموجة الثانية من موجات الربيع العربي في السودان والجزائر تكشف أن العقل الجمعي للشعوب أدرك زيف تلك المقولات وسطحيتها، واستوعب خطورة التحالف بين الطغاة والمنتفعين منهم، وتعلم من دروس الموجة الأولى التي أجهضها هذا الخطاب البائس لهذا التحالف غير المقدس ضد آمال الشعوب، وحقها المشروع في الحرية وإسقاط الظلم والطغيان.
الرؤية الأكثر عمقاً تؤكد أن وراء كل محنة منحة، وأن قدر الله كله خير للإنسان، يُحكى أن عاصفة شديدة هبت على سفينة في عرض البحر فأغرقتها، ونجا بعض الركاب، وكان من بينهم رجل ألقت به الأمواج الهائلة على شاطئ جزيرة مهجورة، ما كاد الرجل يفيق من إغمائه ويلتقط أنفاسه، حتى سقط على ركبتيه، وطلب من الله المعونة والمساعدة، وسأله أن ينقذه من هذا الوضع الأليم.
مرت عدة أيام كان الرجل يقتات فيها على ثمار الشجر وما يجمعه من الأسماك التي يلقيها البحر إلى الشاطئ، أو الحيوانات والأرانب التي تعيش على تلك الجزيرة، بينما يشرب من جدول مياه قريب، وينام في كوخ صغير، بناه من أعواد الشجر ليحتمي فيه من برد الليل وحر النهار.
وذات يوم، وبينما يعد الغداء، أخذ الرجل يتجول حول كوخه ريثما ينضج طعامه، لكنه عندما عاد فوجئ بأن النار امتدت من الموقد لتلتهم كل ما حولها، فأخذ يصرخ لماذا يا رب؟!!.. لماذا يا رب؟!!
حتى الكوخ احترق لم يعد يتبقى لي شيء في هذه الدنيا بعد غرق السفينة التي كانت تضم الجميع معاً، والآن أيضاً يحترق الكوخ الذي أنام فيه!! لماذا يا رب كل هذه المصائب تأتي علىّ؟!!!
نام الرجل من الحزن وهو جوعان، ولكن في الصباح كانت هناك مفاجأة في انتظاره، إذ وجد سفينة تقترب من الجزيرة، وينزل منها قارب صغير لإنقاذه، أما الرجل فعندما صعد على سطح السفينة أخذ يسألهم كيف وجدوا مكانه فأجابوه: لقد رأينا دخاناً، فعرفنا أن شخصاً ما يطلب الإنقاذ.
وهكذا فإن الرؤية السطحية للأمر لا ترشدك إلى الحقيقة، والمعنى والدلالة لما يواجهك من متاعب. ويقيني أن ما تمر به بلادنا حالياً من محن وأزمات هو بداية جديدة لمرحلة أخرى في تاريخها العريق. ربما نرى التغيير الكبير في المنطقة خلال حياتنا وأعمارنا، وربما لا نراه، لكن المؤكد أن التغيير قادم قادم قادم، وأنه رغم مرارة الألم والمعاناة التي تواجهها الأمة في هذا المخاض العسير، فإن المولود الجديد يستحق كل تلك المعاناة. هل رأيتم يوماً ولادة بدون ألم؟! هل رأيتم نور الفجر يبزغ يوماً سوى من قلب الظلمة والعتمة. إنها سنة الله في كونه، ولكن «خلق الإنسان من عجل» صدق الله العظيم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.